الشنقيطي
293
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفي رواية عند مسلم أيضا : عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة ، في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من اليمن ، وساق الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بنحوه ، غير أنه قال في الحديث : قال عوف بن مالك : فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ، قال بلى ، ولكني استكثرته ، هذا لفظ مسلم في صحيحه « 1 » . وفي رواية عن عوف أيضا ، عند الإمام أحمد « 2 » وأبي داود قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من أهل اليمن ، ومضينا فلقينا جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس له ، أشقر ، عليه سرج مذهب ، وسلاح مذهب ، فجعل الرومي يفري في المسلمين . فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه . فخر وعلاه فقتله . وحاز فرسه ، وسلاحه ، فلما فتح اللّه عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ السلب ، قال عوف : فأتيته . فقلت : يا خالد أما علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ، قال . بلى ولكن استكثرته ، قلت : لتردنه إليه ، أو لأعرفنكها عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأبى أن يرد عليه ، قال عوف : فاجتمعنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقصصت عليه قصة المددي ، وما فعل خالد ، وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم ا ه . فقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح : « لا تعطه يا خالد » دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل ، إذ لو استحقه به ، لما منعه منه النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومنها : ما ذكره ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن الأسود بن قيس ، عن شبر بن علقمة قال : بارزت رجلا يوم القادسية ، فقتلته ، وأخذت سلبه ، فأتيت سعدا ، فخطب سعد أصحابه ، ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة لهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفلناه إياه . فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم ، قاله القرطبي . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : أظهر القولين عندي دليلا ، أن القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام ؛ لهذه الأدلة الصحيحة ، التي ذكرنا فإن قيل : هي شاهدة لقول إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل ، ومن كان كثيرا خمس . فالجواب : أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه كثرة زائدة ، وقد منع منه النبي صلى اللّه عليه وسلم معاذ ابن عفراء .
--> ( 1 ) كتاب الجهاد والسير حديث 44 . ( 2 ) المسند 6 / 26 ، 27 .